التاسعة صباحاً: قدر الله أن أذهب للجامعة، وبعد وصولي توالت الأخبار بإلغاء المحاضرات واحدة تلو الأخرى. وبفضل هذا الإلغاء، جمعني الله بصديقٍ كان مهتماً بزيارة معرضي “ملتقى رواد العلوم” و”أسبوع الفضاء العالمي”. ذهبنا معاً ومررنا بركن خاص بجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، فورد على بال صديقي أن يسأل ممثلي الجامعة إن كانوا يقدمون برامج لتطوير مهارات البحث العلمي وأساسياته. وهذا الموقف هو أساس قصتنا…
الواحدة ظهراً: عندما رجعت لمنزلي، سارعت بفتح جهازي المحمول وبدأت أجمع كل محاضرة قد تهم صاحبي في هذا المجال. ركزت على ورش مؤسسة موهبة، وجمعت عدة مقاطع مسجلة لدكاترة أفاضل: د. سارة الحمود، د. فاتن، د. زهير نتو، وأخيراً د. نزيه العثماني. أرسلتها لصديقي، لأنصدم بأنه يعرف د. نزيه شخصياً، بل ودرس مع ابنه في السنة السابقة. لكن الصدمة الحقيقية كانت عندما ألحق صديقي اسم د. نزيه بالرحمة عليه! متى مات؟ لا أعلم. بحثت فوراً لأتأكد، لعله مجرد لبس عند صاحبي، لكن محرك البحث أكد الخبر. حزنت جداً، ومع هذا الحزن جاءني شعور غريب بأن هذا الأمر ليس بجديد، شعرت وكأنني سمعت الخبر من قبل.
اتضح الأمر.. الخبر فعلاً ليس بجديد علي، بل علمته في حينه.. ونسيته!
انقهرت، حزنت، وأحبطت من نفسي… أدركت حينها حقيقة قاسية؛ أن الوقت كفيل بنسيان كل شيء، وأن الأحداث مهما بلغت أهميتها أو مرارتها، تُعتق وتُدفن تحت طبقات الأيام. تألمت لأنني أدركت أنني لست أرشيفاً للتاريخ يحفظ مآثر من أثروا فينا. نحن نظن أننا سنظل نحمل ذكرى من نحترمهم للأبد، لكن زحمة الحياة تسرق منا حتى الذاكرة، لتتركنا في مواجهة شعورٍ بالذنب على نسيان ما لم يكن ينبغي أن يُنسى.
رحم الله الدكتور نزيه العثماني وغفر له وتقبل منه علمه. كان رجلاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أُعجبت به منذ أول مرة سمعت باسمه، وأعجبت به أكثر عندما رأيته. وقد صدق صديقه حين ودعه بمقاله: وداعاً… نزيه العثماني
ولا حول ولا قوة إلا بالله.