يرحلون مبكراً

اللهم لا اعتراض على قدرك؛ لك ما أعطيت وما أخذت. اللهم أنت الحكيم ذو الرحمة، إننا منك وإننا إليك لراجعون.

البكاء لا يكون حصرًا للحزن، فالبكاء سنة من سنن الرب في هذه الدنيا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ العَينَ لتَدْمَعُ، والقَلبَ ليَحزَنُ، ولا نَقولُ إلَّا ما يَرضَى ربُّنا، وإنَّا بفِراقِكَ يا إبراهيمُ لمحزونونَ». فراق شخص عزيز أمر أنا (مبارك) لا أستطيع تصوره، ذلك بلاء أبعده الله عني، لكني أعلم جيدًا شعور الفقد؛ شعور غصة كلام في نفسك تريد قوله لمفقودكَ لكنك عاجز، شعور الفراغ، شعور أن للقصة بقية لكن…

وآتي هنا لأتكلم عن آباء الرحمة، آباء الصفاء والنقاء واللباقة والنبل والصدق. أناس مخلصون في عملهم، مقدرون له، محبون للمساعدة ليس فقط لأنفسهم بل للجميع، ساعون في الأرض مساهمون بها حبًا، غير متخذين أجرًا. هم ندرة قليلة من البشر، أشخاص من خفتهم لا تعلم كيف سخرهم الله وجمعك بهم، يعيشون حياتهم قائمين على العطاء والسلام، يغادرون مثلما أتوا، بخفة وبدون إزعاج، لكنهم يتركون صدى لا يُجبر، ودفئًا لا يعوض. أشخاص يذهبون فنتدنى درجة، لأن قيمتهم كانت تعلينا درجة!

يذهبون قبل الشبع، يرحلون مبكرًا، يرحلون ونحن نبقى. إن كانوا هم من يجبرون خواطرنا، فمن يجبرها من بعدهم؟ وإن كان يُضرب بهم مَثَلُ الخير، فبمن نضرب المثل من بعدهم؟

دعني ابكي، ما عليك انت؟ أمطرت على خبزك فتبلل؟ ام انني اغرقت بيتك؟ دعني ففي الدموع غسيل لروحي ، وفي البكاء متسع لنبضٍ كاد أن يتوقف. إنني لا أعترض على حكم الخالق، لكني أحنّ لملامح طاهرة غادرتنا، وتركتنا هاهنا… نتمنى لو أن للقصة بقية.

أَرادَ غُروباً لِلصَفَاءِ فَأَسْرَعَتْ … مَدامِعُ عَينِي بالبُكاءِ تَجودُ

وَمَا أَنَا إِلَّا بَاكِيٌ لِفَضِيلَةٍ … مَضَتْ حِينَ غَابَ الطَّاهِرُونَ الحُمُودُ

نبكي ونحزن على أناس قد لا نعرفهم، أناس كانوا صورًا من صور الرحمة في الأرض، نحبهم ونتقبلهم دون سبب، فقط لنقائهم، فقط لصفاء نيتهم، ولطهارتهم… ونتذكر قول رسولنا: «يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ».

2026-10-08
← الرجوع للصفحة الرئيسية