لا؛ لأسباب عدة، لكن قبل ذلك دعنا نعرّف معنى الغباء. في “معجم المعاني” غَبِيَ معناها: “غَبِيَ الخبرُ منه: جهِله، خفِي عليه فلم يعرفه”. والمقصود بـ “جهِله” أي لم يفهمه لعدم استطاعته، بمحكومية قدرته العقلية، وليس كونه جاهلاً بالخبر بمعنى لم يصله.
فقيامك بأمور “غبية” (وعلامتا التنصيص هنا مقصود بهما أنها قد تبدو غبية لكنها في جوهرها ليست كذلك) يمكن أن يكون لأنك جهلت أثرها عليك لقلة خبرتك، وهذا جهل وليس غباءً؛ فالغباء أن تفعل الشيء نفسه مرتين وتنتظر نتيجة مختلفة. أو أن الأحداث قد تغيّر مجراها بعد إقدامك على الأمر؛ ومع أنه قد يُصنّف غباءً لأنك لم تقم بحساب جميع الاحتمالات، لكن تظل هناك احتمالية الانحراف الكبير في الأحداث الذي يصعب التنبؤ به. وأريد إضافة أن علمك بالاحتمالات السيئة التي قد لا توافق توجهك والإقدام على قرارك لا يجعلك غبيًا حتى ولو حدثت تلك الاحتمالات! فهي ثمن القرار، وثمن الرحلة، وثمن التجربة. تلك الخسائر يجب أن تتعامل معها إذا كنت تريد ذلك التوجه، وهذا لا يجعلك غبيًا.
وقد تفعل أمورًا غبية بالفعل، حقًا حقًا غبية، لكن لا تُصنف على أنها غباء لأنك أقدمت عليها وأنت تعلم أنها غبية، كنت تعلم أنها قد تضرك، لكنك أيضًا كنت تعلم أنها ستكمل أو تمنحك شيئًا أنت تريده. والضرر المقصود هنا هو الشيء البسيط الذي لا يبقى أثره طويلاً. إضافة إلى أن قيامك بأمور غبية يكسبك خبرة في كيفية التعامل معها؛ لأنها سوف تحصل دائمًا لجميع الناس، سواء أرادوا أم لا.
نريد أيضاً أن نوضح أن الغبيَّ معذورٌ لقصورٍ في جِبِلَّتِه (خلقته)، ولكن الأحمق ليس كذلك؛ فالأحمق هو من يُقدم على الفعل وهو يعلم كل ما يحيط به من ضرر، وهو من يملك القدرات والأدوات والخبرات ليتجنب الخطأ، لكنه يفعله استهتاراً بالنتائج. هو لا يفعله طمعاً في مكسب -حتى وإن وُجد مكسبٌ ما- ولكن السؤال الجوهري هنا: ما مقدار ذلك المكسب أمام حجم تلك الخسائر؟